الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

335

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فالجملة عطف على جملة فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ [ هود : 109 ] . ولأجل ما فيها من معنى التّثبيت فرع عليها قوله : فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ [ هود : 112 ] . وقوله : فَاخْتُلِفَ فِيهِ أي في الكتاب ، وهو التّوراة . ومعنى الاختلاف فيه اختلاف أهل التّوراة في تقرير بعضها وإبطال بعض ، وفي إظهار بعضها وإخفاء بعض مثل حكم الرجم ، وفي تأويل البعض على هواهم ، وفي إلحاق أشياء بالكتاب على أنّها منه ، كما قال تعالى : فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [ البقرة : 79 ] . فهذا من شأنه أن يقع من بعضهم لا من جميعهم فيقتضي الاختلاف بينهم بين مثبت وناف ، وهذا الاختلاف بأنواعه وأحواله يرجع إلى الاختلاف في شيء من الكتاب . فجمعت هذه المعاني جمعا بديعا في تعدية الاختلاف بحرف ( في ) الدالة على الظرفيّة المجازيّة وهي كالملابسة ، أي فاختلف اختلافا يلابسه ، أي يلابس الكتاب . ولأنّ الغرض لم يكن متعلّقا ببيان المختلفين ولا بذمّهم لأنّ منهم المذموم وهم الذين أقدموا على إدخال الاختلاف ، ومنهم المحمود وهم المنكرون على المبدّلين كما قال تعالى : مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ [ المائدة : 66 ] وسيجيء قوله : وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ [ هود : 111 ] ، بل كان للتّحذير من الوقوع في مثله . بني فعل ( اختلف ) للمجهول إذ لا غرض إلّا في ذكر الفعل لا في فاعله . وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ . يجوز أن يكون عطفا على جملة وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ [ هود : 109 ] ويكون الاعتراض تمّ عند قوله : فَاخْتُلِفَ فِيهِ ، وعليه فضمير بَيْنَهُمْ عائد إلى اسم الإشارة من قوله : مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ [ هود : 109 ] أي ولولا ما سبق من حكمة اللّه أن يؤخّر عنهم العذاب لقضي بينهم ، أي لقضى اللّه بينهم ، فأهلك المشركين والمخالفين ونصر المؤمنين . فيكون بَيْنَهُمْ هو نائب فاعل ( قضي ) . والتّقدير : لوقع العذاب بينهم ، أي فيهم . ويجوز أن يكون عطفا على جملة فَاخْتُلِفَ فِيهِ فيكون ضمير بَيْنَهُمْ عائدا إلى ما يفهم من قوله : فَاخْتُلِفَ فِيهِ لأنّه يقتضى جماعة مختلفين في أحكام الكتاب . ويكون بَيْنَهُمْ متعلّقا ب ( قضي ) ، أي لحكم بينهم بإظهار المصيب من المخطئ في أحكام